بعد الكشف العلني عنه في عام 2024، لا يزال السيف الذي حدده الباحثون على أنه «ذو الفقار» يستقطب اهتماماً متواصلاً من الأوساط الأكاديمية والشخصيات الدينية ووسائل الإعلام الدولية.
بيرن — بعد مرور عام على الكشف عنه للعلن، لا يزال السيف الذي حدده الباحثون على أنه «ذو الفقار»، والمعروف في التراث الإسلامي باسم «سيف الإسلام رقم 1»، يواصل جذب اهتمام الباحثين والمرجعيات الدينية والمؤسسات الإعلامية في عدة مناطق.
في عام 2024، دخل السيف دائرة الاهتمام العام عقب فحوصات علمية أُجريت على قطعة أثرية كانت ضمن مقتنيات جامع خاص في سويسرا. وعلى الرغم من أن النصل كان بحوزة هذا الجامع منذ عام 2006، وكان يُعرض سابقاً بوصفه «نسخة من ذي الفقار»، فإن دراسات لاحقة دفعت الباحثين إلى إعادة تقييم أهميته التاريخية.
غياب عن السجلات التاريخية منذ القرن السابع
وبحسب المواد التي قدّمها الفريق البحثي، جاء تجدد الاهتمام عقب فك رموز النقوش المحفورة على النصل، بالتوازي مع تحليلات كيميائية وتقنية للمعدن. وقد فسّر المتخصصون المشاركون هذه النتائج على أنها منسجمة مع معطيات التاريخ الإسلامي المبكر. ومع الإعلان الأولي، أثارت هذه الادعاءات اهتمامًا واسعًا إلى جانب قدر من التشكيك، نظرًا للمكانة الرمزية لسيف «ذو الفقار» واختفائه من السجلات التاريخية منذ القرن السابع الميلادي.
وخلال عام 2025، تطور النقاش ليتجاوز الإعلان الأولي، إذ نشرت عدة وسائل إعلام مقالات موسعة تناولت أصل السيف، وتحليلاته العلمية، ورمزيته الدينية. وقدمت هذه التغطيات السيف بوصفه موضوعًا للبحث التاريخي، لا نتيجة محسومة، في انعكاس لحساسية التعامل مع القطع المرتبطة بالتراث الإسلامي.
مذكرة إقرار حملت توقيع 15 شخصيةً دينية
وسلطت تغطيات حديثة الضوء على «مذكرة إقرار» حملت توقيع 15 شخصيةً دينية، معظمهم من الأئمة، وذلك عقب عرض مغلق عُقد في ديسمبر الماضي لعدد من العلماء المسلمين وممثلي المجتمعات المحلية. ووصف منظمو الحدث المذكرة بأنها إقرارٌ جماعيٌّ بنتائج البحث، وليس حكمًا لاهوتيًا أو فتوى دينية.
ويستند الباحثون المشاركون في المشروع إلى عدة عناصر يرون أنها تدعم نسبة السيف، من بينها نقوش تذكر شخصيات محورية في التاريخ الإسلامي المبكر، مثل النبي محمد، وفاطمة، وعلي، وابنيه الحسن والحسين، إضافة إلى إشارات متكررة تُعرّف النصل على أنه «ذو الفقار». وتشمل النقاط الأخرى التي يتم إبرازها في المنشورات الخصائص اللغوية للنقوش، وتركيب المعدن الذي حُدِّد على أنه فولاذ «ووتز» قديم، وأنماط تآكل مادي فُسّرت على أنها منسجمة مع استخدام تاريخي.
وقال الدكتور مايك تامويكين، أستاذ وخبير ومثمّن أعمال فنية في سويسرا: «إذا كان أحد سيوف النبي التسعة، مثل سيف "المأثور"، يحمل اسم والده عبد الله بن عبد المطلب، فإن الجميع سيعترف دون شك بأن هذا النصل أثر أصيل. وعلى سيف آخر من السيوف التسعة نفسها، يحمل اسم "الرسوب"، نجد اسم جعفر الصادق (702–765). ولا يشك أحد في أن هذا هو سيف ذلك الرجل بعينه. أما على سيفنا، فقد كُتب خمس مرات أنه سيف ذو الفقار».
مكانة فريدة في التاريخ الإسلامي
وأشار ممثلو المشروع إلى أن موقفهم يندرج ضمن الممارسات الأكاديمية المتعارف عليها، موضحين أن نسبة القطع التاريخية تعتمد عادة على تقاطع عدة تخصصات، مثل علم النقوش، وعلم المعادن، والتحليل المقارن، وليس على دليل واحد منفرد. كما أكدوا أن الجدل يُعد جزءاً متوقعاً من البحث في القطع ذات الأهمية الثقافية والدينية الاستثنائية.
وبعيداً عن الإطار الأكاديمي، لاحظ معلقون أن تجدد الاهتمام بالسيف يلامس أبعاداً اجتماعية ورمزية أوسع؛ إذ يحتل «ذو الفقار» مكانة فريدة في التاريخ الإسلامي لارتباطه في الموروث بكل من النبي محمد، وعلي، والحسين. وعلى هذا النحو، فإن النقاشات المحيطة به تتجاوز حدود الأصالة المادية، لتلامس قضايا الذاكرة والهوية ومسؤولية الوصاية.