٤ ذو الحجة ١٤٤٧هـ - ٢١ مايو ٢٠٢٦م
الاشتراك في النشرة البريدية
عين الرياض
المال والأعمال | الأربعاء 20 مايو, 2026 11:00 صباحاً |
مشاركة:

الذكاء الاصطناعي سيضيف 15.7 تريليون دولار للاقتصاد العالمي بحلول 2030 وسط تحذيرات من تكلفة بيئية متزايدة

أكدت كي بي إم جي الشرق الأوسط أنَّ العالم يشهد تحوّلًا غير مسبوق تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي باتت تعيد رسم ملامح الاقتصادات والصناعات وأنماط الحياة اليومية بوتيرة متسارعة، حيث أسهمت هذه التقنيات في تسريع الأبحاث الطبية، وتوسيع نطاق الوصول إلى التعليم، وتحسين كفاءة شبكات الخدمات اللوجستية، فضلًا عن تمكين المدن من التنبؤ المبكر بالأعطال، ومساعدة مختلف القطاعات على العمل بدقة أعلى وبمستويات هدر أقل.

 

لقد بات الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه على نطاق واسع كأداة قوية قادرة على تعزيز الإنتاجية، ودفع عجلة الابتكار، وتحسين جودة الحياة على نطاق واسع.  وفي ظل هذا الزخم، تتسابق الحكومات والشركات لضخ استثمارات ضخمة في هذا المجال، باعتباره محركًا أساسيًا للنمو والتنافسية على المدى الطويل. 

وأشار تقريرٍ لـ" كي بي إم جي"، أصدرته في هذا الإطار،  إلى أنَّ هذه الصورة المتفائلة تخفي وراءها واقعًا أكثر تعقيدًا، يتمثل في الاعتماد الكبير على بنية تحتية مادية كثيفة الموارد، تشمل مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء والمياه، كما أوضح التقرير أنَّ الذكاء الاصطناعي قد يضيف نحو 15.7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، إلا أنَّ هذا النمو يصاحبه ضغطاً متزايداً على الموارد الطبيعية وشبكات الطاقة؛ ما يطرح تساؤلات جوهرية حول استدامته. 

البنية التحتية الخفية وراء الذكاء الاصطناعي

 وبيّن تقرير كي بي إم جي أنَّ الذكاء الاصطناعي رغم أنه يبدو وكأنه تقنية غير ملموسة خوارزميات تعمل في الخلفية، وروبوتات محادثة تستجيب بشكل فوري، وأنظمة تنبؤية تُحسّن الكفاءة بصمت فإنَّ تشغيله يعتمد على بنية تحتية مادية ضخمة. وتشمل هذه البنية مراكز بيانات تتطلب كميات هائلة من الكهرباء، إلى جانب أنظمة تبريد متقدمة واستهلاك كبير للمياه. موضحاً أنَّ مراكز البيانات التي تدعم هذه الأنظمة تستهلك حاليًا نحو 1.5% من إجمالي الكهرباء عالميًا، بما يعادل 415 تيراواط/ساعة في 2024، وأنَّه من المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 945 تيراواط/ساعة بحلول 2030، حيث لا يقتصر الأمر على الطاقة، إذ يُتوقع أن يتضاعف استهلاك المياه المرتبط بهذه المراكز من 560 مليار لتر سنويًا إلى نحو 1.2 تريليون لتر بنهاية العقد. التقرير أشار  أيضا إلى أنَّ هذه الأرقام، رغم أهميتها، لا تمثل التحدي الأكبر، إذ تكمن الإشكالية الحقيقية في الجوانب التي لا تزال غير واضحة.

وفي هذا الصدد، كشفت مراجعة شملت إحدى عشرة شركة من كبرى الشركات المشغلة لمراكز البيانات، أنَّ أيًا منها لا يفصل بوضوح بين استهلاك الطاقة والمياه المرتبط بالذكاء الاصطناعي وبين الطلب التشغيلي الأوسع؛ ونتيجة لذلك، يجد صناع القرار والمستثمرون أنفسهم في محاولة لإدارة واحد من أسرع التحولات الصناعية في التاريخ دون فهمٍ كاملٍ لأثره البيئي.

في سياق ذلك، صرح فادي الشهابي، الشريك ورئيس استشارات حلول الاستدامة في كي بي إم جي الشرق الأوسط قائلًا: "لا يمكننا إدارة ما لا يمكننا قياسه؛ حيث لا تتمثل النتيجة الأبرز التي توصل إليها بحثنا في مجرد استهلاك مراكز البيانات لكميات هائلة من الطاقة والمياه، فهذا أمر معلوم سلفًا، بل تتمثل في أنَّ القطاع لم يضع بعد معايير للإفصاح توضح لنا مقدار الاستهلاك المرتبط بالذكاء الاصطناعي تحديدًا. وإلى أن تُسد هذه الفجوة، فإنَّ كل التوقعات التي ننشرها ستظل مشوبة بهامش من الشك يثير قلق الجهات التنظيمية والمستثمرين على حد سواء."

الذكاء الاصطناعي: إمكانات واعدة تتجاوز النمو الاقتصادي

أشارت كي بي إم جي في تقريرها، إلى أنَّ دور الذكاء الاصطناعي لا يعد مشكلة بحد ذاته، بل إنَّ جانبا كبيراً من قيمته يكمن في قدرته على معالجة تحديات الموارد وتحسين الكفاءة. كما أوضح التقرير أنَّ دور الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على النمو الاقتصادي، بل يمتد إلى دعم أهداف التنمية المستدامة. ففي التعليم، تتيح الأنظمة التكيفية تخصيص المحتوى للطلاب، خاصة في المناطق التي تعاني من نقص في التعليم. وفي الرعاية الصحية، تسهم التقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين الوصول إلى الخدمات الطبية عبر المراقبة عن بُعد. أما في الزراعة، فتساعد تقنيات الري الذكي على ترشيد استهلاك المياه وزيادة الإنتاجية. وعند مواءمته مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، يُظهر الذكاء الاصطناعي إمكانات واضحة في تحسين جودة التعليم، ودعم الصحة الجيدة، والحد من أوجه عدم المساواة، وتعزيز كفاءة المنظمات.

وبالنسبة للحكومات والشركات، فإنَّ هذه التطبيقات تفسر سبب استمرار تسارع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي. إلا أنَّ التقرير يسلط الضوء على واقع أكثر تعقيدًا؛ إذ تعتمد فوائد الذكاء الاصطناعي بشكل كامل على كيفية حوكمة هذه الأنظمة وتصميمها وتطبيقها؛ حيث إنَّ ضعف الرقابة يمكن أن يؤدي إلى ترسيخ أوجه عدم المساواة، وإدخال عمليات اتخاذ قرار غير شفافة، وخلق حالة من انعدام الثقة المجتمعية بوتيرة أسرع مما يمكن للتقنية أن توفره من سهولة أو منفعة.

المستفيد من فرصة 15.7 تريليون دولار

 وفقا للتقرير تشير التقديرات إلى أنَّ الذكاء الاصطناعي قد يسهم بما يصل إلى 14% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول 2030، وهو ما يعادل نحو 15.7 تريليون دولار. إلا أنَّ هذه المكاسب لن تتوزع بالتساوي؛ فوفقًا لصندوق النقد الدولي، فإنَّ الاقتصادات التي تتمتع بمؤسسات قوية، وبنية تحتية رقمية متقدمة، وكفاءات بشرية مؤهلة، وأطر حوكمة فعالة، ستكون الأقدر على الاستفادة من الحصة الأكبر من هذه القيمة. في المقابل، قد تظل الدول الأقل جاهزية مستهلكة للتقنية دون تحقيق ميزة اقتصادية حقيقية.

وفي هذا السياق، صرّح طارق دريزا الشريك ورئيس خدمات تمكين الذكاء الاصطناعي والتقنية في كي بي إم جي الشرق الأوسط قائلًا: إنَّ رقم 15.7 تريليون دولار ليس مكسبًا مضمونًا، بل هو عائد يتحقق لمن يملك الجاهزية، إنَّ الاقتصادات والمنظمات التي ستحصد الحصة الأكبر من قيمة الذكاء الاصطناعي هي تلك التي تستثمر اليوم في المهارات والبنية التحتية وأطر الحوكمة. وتمتلك منطقة الشرق الأوسط الطموح ورأس المال، لكنَّ التحدي يكمن في مدى سرعة بناء القدرات المؤسسية اللازمة لتحويل ذلك إلى ميزة مستدامة"

كما تبرز الثقة بوصفها أحد أشكال البنية التحتية الاقتصادية؛ إذ إنَّ المنظمات التي تعطي الأولوية للشفافية والمساءلة وممارسات البيانات المسؤولة تكون أكثر قدرة على كسب ثقة المستثمرين وبناء ولاء العملاء على المدى الطويل، في حين قد تواجه الجهات التي لا تلتزم بذلك تحديات تنظيمية، وتضررًا في السمعة، وتراجعًا في ثقة الجمهور.

المقايضة البيئية وتحديات الشرق الأوسط

أكد التقرير أنه في المقابل، تفرض تقنيات الذكاء الاصطناعي تحديات بيئية متزايدة، خاصة مع التوسع في إنشاء مراكز البيانات التي تستهلك مساحات واسعة من الأراضي وقد يحل بعضها محل أراض زراعية وتؤثر على النظم البيئية. كما تشكل هذه المراكز بعد تشغيلها ضغطًا كبيرًا على موارد الطاقة والمياه، وهو ما يزداد تعقيدًا في مناطق تعاني من شح الموارد. وفي الشرق الأوسط، حيث تسعى الدول إلى تعزيز مكانتها كمراكز عالمية للذكاء الاصطناعي، تتقاطع هذه الطموحات مع تحديات بيئية حقيقية، أبرزها الإجهاد المائي.

 وفي هذا السياق، تصبح القضية أكثر من مجرد نقاش تقني، لتتحول إلى مسألة تخطيط استراتيجي تتطلب موازنة دقيقة بين الطموحات الرقمية وإدارة الموارد الطبيعية. وفي ظل غياب إفصاح شفاف يميز بين أعباء عمل الذكاء الاصطناعي وبقية أنشطة مراكز البيانات، فإنَّ الحكومات والمستثمرين يجدون أنفسهم عمليًا يحاولون معالجة تحدٍ بيئي دون الوصول إلى معلومات مكتملة. 

الطريق نحو تبني مسؤول ومستدام

لا يدعو تقرير كي بي إم جي، إلى إبطاء تبني الذكاء الاصطناعي، بل إلى تحقيق توازن بين الاستفادة من مزاياه وتقليل مخاطره. ويبرز في هذا السياق عدد من الأولويات، تشمل: تطوير معايير شفافة لقياس استهلاك الموارد المرتبط بالذكاء الاصطناعي، تعزيز القدرات المؤسسية لضمان تحقيق قيمة اقتصادية مستدامة، دعم التعاون الدولي في مجالات الأخلاقيات والسلامة والاستدامة، تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة لدعم البنية التحتية الرقمية. 

وفي هذا السياق، قال الشهابي: "في منطقة تُعد فيها المياه من أثمن الموارد، فإنَّ القرارات التي نتخذها اليوم بشأن مواقع مراكز البيانات وكيفية إنشائها ستحدد مسار الاستدامة لعقود قادمة."وأضاف: "هذه ليست دعوة ضد الذكاء الاصطناعي، بل دعوة لتوظيفه بوعي كامل، عبر الاعتماد على الطاقة المتجددة، واختيار المواقع بشكل مسؤول، والالتزام بمعايير شفافة"

ويخلص التقرير إلى أنَّ التكنولوجيا وحدها لا تحقق النمو المستدام، إذ إنَّ الحوكمة هي العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت مكاسب الإنتاجية ستتحول إلى قيمة اقتصادية مستدامة، وما إذا كانت الكفاءة ستقود إلى تقدم بيئي، وما إذا كانت فوائد الذكاء الاصطناعي ستتوزع على نطاق واسع بدلًا من أن تتركز في نطاق ضيق.كما يؤكد التقرير أنَّ إدارة الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي لا تقتصر على الحد من الأضرار، بل تشمل تحسين طريقة تصميم الأنظمة وتدريبها وتحسين أدائها بمرور الوقت أيضاً.

ويشير التقرير إلى أنَّ المرحلة المقبلة من تطوير الذكاء الاصطناعي يجب ألا تقتصر على التخفيف والشفافية والبنية التحتية المسؤولة، بل يجب أن تمتد إلى تطوير الخوارزميات الأساسية نفسها التي تشغّل هذه التقنيات، بما يجعلها أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للموارد، وقادرة على تحقيق نتائج أفضل باستخدام طاقة وقدرات حوسبة أقل.ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، ينبغي ألا تقتصر الابتكارات على زيادة القوة فقط، بل على تحسين كفاءة استهلاك الموارد أيضاً. والهدف ليس إبطاء التقدم، بل ضمان أن تُبنى أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقبلية بطريقة أكثر تكيفًا وكفاءة واستدامة منذ البداية.

وفي هذا السياق، قال دريزا: "كلُّ نقاش نخوضه داخل مجالس الإدارة يعود بنا إلى السؤال ذاته: كيف يمكننا المضي قدمًا بسرعة دون فقدان الثقة؟".

وأضاف: "نجاح الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على قوة الخوارزمية وحدها، بل يتحقق عندما يثق الناس من موظفين وعملاء وجهات تنظيمية، بأن هذه الأنظمة تتسم بالشفافية والمساءلة وتعمل بما يخدم مصالحهم."

 ويختتم التقرير بالإشارة إلى أنَّ المفارقة في قلب الذكاء الاصطناعي لن تحل تلقائيًا، بل تتطلب قرارات واعية من قادة الحكومات والشركات والمجتمع المدني بشأن كيفية بناء هذه التقنية وتطبيقها وقياس أثرها.ومن المرجح أنَّ المنظمات التي ستحدد ملامح العقد القادم ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر ميزانيات للذكاء الاصطناعي، بل تلك التي تطرح الأسئلة الأكثر صعوبة: من المستفيد؟ من يتحمل التكلفة؟ ماذا نقيس؟ وما الذي لا نزال نفتقده؟

 

            

                                                  -انتهى-

 

مشاركة:
طباعة
اكتب تعليقك
إضافة إلى عين الرياض
أخبار متعلقة
الأخبار المفضلة