٤ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ - ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦م
الاشتراك في النشرة البريدية
عين الرياض
المال والأعمال | الجمعة 16 أكتوبر, 2026 3:20 مساءً |
مشاركة:

البنك المركزي السعودي ينهي مشاركته في مشروع إم بريدج

أكد البنك المركزي السعودي (ساما) أنه لم يعد عضوًا مشاركًا في مشروع إم بريدج (mBridge) للمدفوعات العابرة للحدود، بعد أن أتم تجربة إثبات المفهوم في 13 مايو 2025. الخبر لم يظهر للعلن إلا في سبتمبر 2026 عبر صحيفة فايننشال تايمز، فوصل إلى جمهور واسع من متابعي الأسواق الرقمية، وكثير منهم يتابع سعر البيتكوين بالدولار يوميًا ويميل إلى قراءة أي قرار نقدي من زاوية العملات المشفرة. هذه القراءة لا تنطبق هنا. القرار يخص بنية التسوية بين البنوك المركزية، أما البيتكوين فافتتح تعاملات 5 أكتوبر 2026 عند 86,513 دولارًا تقريبًا لأسباب لا صلة لها بمشروع إم بريدج.

 

ماذا يعني انتهاء مشاركة السعودية بالمشروع

البيان الذي نقلته الصحيفة البريطانية يحسم نقطتين: الانتهاء تم "كما كان مخططًا"، والمشاركة كانت مرتبطة منذ البداية بمرحلة اختبار محددة. انضم ساما إلى المشروع عضوًا مراقبًا في 2023 تحت مظلة بنك التسويات الدولية لدعم أبحاثه الداخلية حول العملات الرقمية للبنوك المركزية، ثم شارك في 2024 في بناء النسخة الأولى القابلة للتشغيل وتجربة إثبات المفهوم. اكتملت التجربة، فانتهت العضوية.

 

بهذا المعنى يصعب وصف ما حدث بأنه انسحاب مفاجئ، ولا يحمل الخبر أي إشارة إلى حظر الأصول المشفرة أو تقييدها داخل المملكة. والمشروع نفسه مستمر بمشاركة بنك الشعب الصيني وسلطة النقد في هونغ كونغ وبنك تايلاند والمصرف المركزي الإماراتي. في الداخل، يواصل ساما العمل على سوق المدفوعات المحلية، ومن ذلك ترخيصه شركات جديدة لخدمات المصرفية المفتوحة خلال هذا العام.

 

كيف عملت تجربة المدفوعات العابرة للحدود

انطلق المشروع في 2021 بتعاون بين مركز الابتكار في بنك التسويات الدولية والبنوك المركزية في الصين وهونغ كونغ وتايلاند والإمارات، وانضمت السعودية إليه عضوًا كاملًا في يونيو 2024. بنى الفريق شبكة بلوك تشين خاصة سماها "دفتر إم بريدج" لتنفيذ المدفوعات وعمليات الصرف الأجنبي بين الدول في الوقت الفعلي. وفي تجربة 2022 نفذ 20 بنكًا تجاريًا 164 عملية دفع وصرف تجاوزت قيمتها 22 مليون دولار خلال ستة أسابيع، وجرت تسويتها مباشرة على المنصة. ثم بلغ المشروع مرحلة المنتج الأولي في منتصف 2024، وسلّمه بنك التسويات الدولية إلى البنوك المشاركة في أكتوبر من العام نفسه.

 

الفكرة تتضح بمثال. حوالة من بنك في الرياض إلى مورد في بانكوك تمر عادة عبر بنك مراسل أو أكثر، وكل حلقة تضيف رسومًا ووقتًا، وكثيرًا ما تمر التسوية بالدولار في المنتصف. في إم بريدج يصدر كل بنك مركزي نسخة رقمية من عملته على دفتر مشترك، فيتبادلها البنكان التجاريان مباشرة، ويتم التحويل والصرف والتسوية في خطوة واحدة.

 

العملات السيادية ليست أصولاً لامركزية

العملة الرقمية للبنك المركزي التزام مباشر على البنك المركزي، يصدرها بقرار منه وتخضع لرقابته وتساوي العملة الورقية في قيمتها. وفي نموذج الجملة الذي اختبره إم بريدج تتداولها البنوك فقط، ولا يحملها الأفراد. البيتكوين مختلف من الأساس: لا جهة تصدره، وعرضه محدود بـ21 مليون وحدة، وسعره يتحدد بالعرض والطلب على شبكة مفتوحة لأي شخص.

 

لذلك لا تقول تجربة ساما شيئًا عن إتاحة تداول البيتكوين للأفراد في المملكة، فهذا ملف تحكمه أطر تنظيمية أخرى. ويهم هذا التمييز الشركات تحديدًا، لأن تقييم الأثر المالي لأي منتج رقمي يبدأ بمعرفة نوعه. العملة المستقرة تصدرها شركة خاصة مقابل احتياطيات، وعملة البنك المركزي تصدرها جهة سيادية، والأصل اللامركزي لا مصدر له. ولكل فئة مخاطرها الخاصة، من مخاطر الطرف المقابل إلى تقلب السعر. والعملات المستقرة لم تعد هامشية، إذ تشير بيانات Binance Research إلى أن حجم معاملاتها بلغ 33 تريليون دولار في 2025.

 

أين تفيد البلوك تشين البنوك والشركات

الاستخدام هنا مصرفي بحت: دفتر مشترك يسمح للبنوك المركزية والتجارية بتسوية المدفوعات مباشرة، فيقل زمن التحويل وتكلفته، وتتراجع مخاطر أن يسلّم طرف دون أن يستلم. الهدف تحسين البنية المصرفية، ولا علاقة له بالمضاربة على الأصول الرقمية.

 

خذ شركة سعودية تستورد من تايلاند وتبيع في الإمارات. هي تدير ثلاث عملات، وكل يوم تنتظره الحوالة يعني سيولة مجمدة واحتياطيًا نقديًا أكبر في كل عملة. تسوية أسرع تقصّر دورة التحصيل وتقلل حاجة الشركة إلى هذه الاحتياطيات. لكن هذه الفائدة تصل إليها عبر بنكها، فالشركة لا تحمل عملة البنك المركزي الرقمية بنفسها في هذا النموذج.

 

لماذا يهم الخبر متابعي السوق الرقمي

النقاش حول البنية المالية الرقمية يعني متابعي هذا السوق، لأن تحديث قنوات الدفع بين الدول ينعكس مع الوقت على الخدمات الرقمية، من سرعة التحويلات إلى سهولة نقل الأموال بين المنصات والحسابات المصرفية. غير أن سعر الأصل اللامركزي يتحرك بعوامل أخرى. الأسبوع الماضي مثال واضح: صعد البيتكوين في 2 أكتوبر 2026 قبل تقرير الوظائف الأمريكي مع تراجع عوائد السندات وموجة تصفية لمراكز البيع، ثم عاد فوق 86 ألف دولار في 5 أكتوبر بعد أن خفّت توقعات رفع الفائدة. لا شيء من هذه المحركات يتصل بقرار ساما.

 

أولويات الشركات السعودية بعد انتهاء التجربة

انتهاء مشاركة ساما لا يعني أن على الشركات تجاهل مبادرات المدفوعات العابرة للحدود. المطلوب أن تتابعها وفق احتياجاتها الفعلية: العملات التي تدفع بها، وحجم تحويلاتها، والوقت الذي تستغرقه التسوية اليوم، ومتطلبات الامتثال التي يفرضها البنك المركزي. والبنوك المحلية هي أول من سيعرض أي حل جديد، فالسؤال العملي يوجه إليها.

 

وعلى سياسات المخاطر في الشركة أن تعامل عملات البنوك المركزية والعملات المستقرة والأصول اللامركزية كفئات منفصلة، لكل منها ضوابطها وطريقة محاسبتها. ويتقاطع ذلك مع ما توقعته Binance Research في تقريرها السنوي، حين رأت أن 2026 سيكون عام الأنظمة القابلة للتحقق والخاضعة للتنظيم وذات المنفعة المتكررة.

 

خرج ساما من إم بريدج كما دخله، وفق خطة لها بداية ونهاية. وما اكتسبه من التجربة باقٍ لديه: خبرة تقنية في تسوية العملات الرقمية بين الدول، وبيانات عن تشغيلها الفعلي، وهي معرفة يستفيد منها أيًا كانت خطوته التالية التي لم يعلن عنها بعد. أما من وصل إلى الخبر من شاشة أسعار العملات المشفرة، فالأهم أن يدرك أن هذا النقاش يدور في غرف التسوية بين البنوك، بعيدًا عن منصات التداول. ومن يفصل بين المسارين يقرأ القرار على حقيقته، ويحكم على حركة السوق بأدواتها الخاصة.

 

مشاركة:
طباعة
اكتب تعليقك
إضافة إلى عين الرياض
أخبار متعلقة
الأخبار المفضلة